التخطي إلى المحتوى
 مقبرة باب الصغير “مُلتقى” الشعراء والفلاسفة
.

بعيداً من ضجيج سوق الحميدية، يأخذك طريق – مروراً بسوق باب الجابية – نحو مكان أكثر سكينة وهدوءاً، ويضمّ أهم الشخصيات الإسلامية التاريخية وأخرى مُعاصِرة حُفِرَت أسماؤها في صفحات التاريخ. أمراء وخلفاء وأئمة وعلماء ومؤرّخون بالإضافة إلى كتّاب ورؤساء وشعراء وفلاسفة. كلهم يجتمعون من أزمنة وحُقَب تاريخية مختلفة قديمة وحديثة في إحدى أهم وأقدم مقابر دمشق.
إنها مقبرة الباب الصغير، المكان الوحيد على وجه الأرض حيث يلتقي نزار قباني بالفيلسوف الفارابي والشاعر عمر الفرا مع المؤرّخ إبن عساكر.
“تُعتبر مقبرة باب الصغير من أقدم المقابر ويرجع تاريخها إلى السنوات الأولى لدخول الإسلام”، يقول الباحِث وأستاذ الآثار إياد يونس، مُضيفاً إنها “أسّست سنة 13 للهجرة، 670 ميلادي، وهي من أشهر وأكبر مقابر دمشق”. وتأتي أهمية هذه المقبرة كونها بقيت منذ الفترات الأولى لدخول الإسلام إلى وقتنا الحالي، وتقع في مدينة دمشق بالقرب من البوابة القديمة للمدينة التي تسمّى الباب الصغير، وضمّت العديد من الشخصيات الإسلامية والدينية والفكرية كما ذكرتها المصادر أو المراجع إضافة إلى المشاهدة الأثرية بالعين المُجرّدة.
ويُشير يونس إلى عدد من هذه الشخصيات مثل سكينة بنت الإمام الحسين وأمّ كلثوم بنت الإمام علي بن أبي طالب، وفاطمة الصغرى بنت الحسين، وعبد الله بن جعفر الصادق وعبد الله بن السجّاد، ومن الصحابة بلال الحبشي وعبد الله بن جعفر الطيار وسهل بن ربيعة الأنصاري وأبو الدرداء وأمّ الدرداء وخضابة بن عبيد، وإبن بن عثمان بن عفان وأوس بن أوس ووائل بن الأسطع، كذلك عثر على أضرحة نساء من بني هاشم منهن، حميدة بنت مسلم بن عقيل، وفضة خادمة الزهراء، وأسماء بنت عميس وميمونة بنت الإمام حسن وأمّ سلمة وأمّ حبيبة وحفصة بنت عمر بن الخطاب.
ومن السلاطين الذين عثر على أضرحتهم ضمن هذه المقبرة معاوية بن أبي سفيان (مؤسّس الدولة الأموية)، ويزيد بن يزيد بن معاوية والوليد بن عبد الملك والملك العادل الأيوبي، إضافة إلى الشخصيات التي كانت لها شهرة في التاريخ كالذهبي وإبن القيّم الجوزية.
وعلى مقربة من قبر نزار قباني دُفِن الشاعر عمر الفرا الذي توفّى عام 2015. كما احتوت المقبرة على قبر الفيلسوف والأديب محمّد بن طرخان بن أوزلغ المعروف بأبي نصر الفارابي. وخارج الأسوار، ينفرد وسط ساحة صغيرة ضريح الإمام المحدث مؤرّخ دمشق علي بن الحسن المعروف بالحافظ إبن عساكر المتوفّى سنة 571 هجرية، كما هو مكتوب على الشاهِدة.
وفي قسم آخر من المقبرة، قبر الرئيس السوري الراحل شكري القوتلي الذي ذاع صيته بعد تنازله عن منصبه للرئيس المصري جمال عبد الناصر إبان الوحدة السورية – المصرية عام 1958.
تتمتّع المقبرة بطراز معماري مميّز يقول إياد يونس إن سببه اختلاف الخصائص المعمارية بين ضريح وآخر، ذلك أنه “في الفترات الإسلامية الباكرة كانت الأضرحة مُلاصقة لسطح الأرض لا توجد عليها أية رسومات أو تزيينات وكتابات. أما في الفترات المتتالية سواء الأموية أو العباسية أو المملوكية فاختلفت طبقاً للمرحلة التي مرت بها المقبرة، ونلاحظ ذلك من خلال الطراز المعماري، حيث عمرت بعض الأضرحة مرتفعة عن شكل الأرض وكان لها قباب وزيّنت بالمقرنصات من الداخل، إضافة إلى الرسم بالأحرف والآيات القرآنية بأنواع الخطوط التي كانت في تلك الفترة، إضافة إلى ذلك بعضها زيّن بأنواع من الأثواب والأقمشة توضع على الأضرحة مذكور عليها تاريخ الوفاة وسنة الميلاد وإسم صاحب الضريح”.
وبحسب ما تذكر مديرية مكتب دفن الموتى الكائنة بجانب المقبرة، فإن دمشق تضمّ حوالى 25 مقبرة تحتوي 175000 قبر، وتعدّ مقبرتا باب الصغير والدحداح أكبرها، إذ تضمّ الواحدة منهما نحو 15000 ألف قبر، وتغصّ باب الصغير بالقبور إلى درجة لجوء الناس إلى دفن موتاهم بشكل طابقي لانعدام المساحات الأفقية.
وتشهد المقبرة وصول رحلات مُنتظِمة إليها بقصد زيارة الأضرحة والمقامات الدينية. الصحافي عمر المالكي يبيّن للميادين الثقافية أن للمقبرة “قيمة تاريخية تكتسبها من المقامات الدينية الموجودة مثل قبور الصحابة والشخصيات السورية الدمشقية وقربها من مركز المدينة وذكرها بالمراجع التاريخية، أما من الناحية الاجتماعية فلا توجد طقوس خاصة أو يوم معيّن لزيارة المقبرة بالنسبة لأبناء دمشق، وهي مفتوحة للزيارة طوال أيام الأسبوع وخاصة الأعياد”.
ويضيف أن “كل عائلة دمشقية لها قبر على الأقل ضمن هذه المقبرة يتم توريثها للأجيال المقبلة، وتتم مناقشة مَن سيدفن في هذه المقبرة كل 5 أو 6 سنوات”. ت
بقى مقبرة الباب الصغير أشبه بكتاب تاريخ مفتوح يشغل مساحة كبيرة ويحوي في طيّاته شخصيات مهمة شغلت العالم وتركت بصمتها الفريدة قبل أن يأوي أصحابها إلى الثرى.